محمد محمد أبو ليلة

214

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

الصحيفة . هذا الكلام من تلفيقات الزنادقة وفعل الملاحدة ، أوردوه في موضع آخر مسندا إلى السيدة عائشة التي زعموا أنها وضعت القرآن تحت السرير فجاءت داجن فأكلت الصحيفة فضاع ما فيها « 1 » . ثم إنه لم يكن مع عثمان صحف غير صحف حفصة التي كتب فيها القرآن على عهد أبى بكر ، ثم طلبها عثمان منها عند كتابة المصحف الإمام ، هذا ولم يرد بشأنها شئ كهذا الذي يدعيه ابن شاذان البتّة ، بل إنه من المعروف أنهم نسخوا منها ثم ردوها إليها « 2 » بأمر عثمان رضي اللّه عنه ، وبقيت عندها حتى ماتت رضي اللّه عنها ، فأرسل عثمان إلى عبد اللّه بن عمر في طلبها إليه فأخذها وأحرقها وفي رواية فغسلها غسلا « 3 » . ثم أشار ابن شاذان إلى ما قيل من أن صدر سورة براءة قد ضاع ولذلك سقطت منه البسملة ، وأنها وسورة الأحزاب كانت قريبة من سورة البقرة في عدد آياتها فذهب منها مثل ما بقي في أيدينا ؛ وأن سورة " لم يكن " أو " البينة " كانت في حجم سورة البقرة . وأن أبا موسى الأشعري لمّا ولّاه عمر بن الخطاب البصرة جمع القرّاء ، فكانوا ثلاثمائة رجل ، فقال لهم : " أنتم قراء أهل البصرة " ، قالوا " نعم " ، قال " واللّه لقد كنا نقرأ سورة على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، كنا نشبهها ببراءة تغليظا وتشديدا فنسيناها ، غير أنى أحفظ حرفا واحدا منها أو حرفين ( لو كان لابن آدم واديا من ذهب لابتغى إليه ثالثا ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ، ويتوب اللّه على من تاب ) " « 4 » ؛ وقد عد بعض العلماء للأسف مثل هذا الكلام قرآنا منسوخا ، ففتحوا من ثمّ بابا للشك في القرآن والطعن في مبدأ الإعجاز ، وعدم إمكان المعارضة . وبمطالعة سريعة لما أورده البعض على أنه قرآن منسوخ يظهر الفرق الشاسع بين ما عدوه ، خطأ ، قرآنا ، وبين القرآن المثبت في المصحف المستقر ، والمجموع في الصدور ، مع أن الفرق بين هذا المدعو قرآنا منسوخا وبين القرآن الذي هو كلام اللّه ، هو كالفرق بين القرآن وبين سائر كلام البشر ، وهذا الموضوع يحتاج منا إلى بعض البسط وبعض التحليل .

--> ( 1 ) المصدر نفسه 114 . ( 2 ) انظر : كتاب المصاحف ص 20 . ( 3 ) مقدمتان في علوم القرآن ص 22 . ( 4 ) ابن شاذان ص 114 ومقدمتان في علوم القرآن ص 84 - 85 .